العيني
14
عمدة القاري
الشجرة ، بكسر الشين ، والشيرة ، بكسر الشين والياء ، وعن أبي عمرو أنه كرهها ، وقال : يقرأ بها برابر مكة وسودانها . قوله : ( البوادي ) ، جمع بادية وهي خلاف الحاضرة ، والبدو مثل البادية ، والنسبة إليهما بدوي ، وعن أبي زيد : بداوي ، وأصلها باء ودال وواو ، من البدو ، وهو الظهور ، وهو ظاهر في معنى البادية ، وفي بعض الروايات البواد ، بحذف الياء ، وهي لغة . قوله : ( النخلة ) ، واحدة النخل وفي ( العباب ) : النخل والنخيل بمعنى واحد ، الواحدة نخلة . بيان الإعراب : قوله : ( شجرة ) نصب لأنه اسم : إن ، وخبرها قوله : ( من الشجرة ) ، وكلمة : من ، للتبعيض ، ويجوز أن يكون المعنى من جنس الشجرة . قوله : ( لا يسقط ورقها ) ، جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها صفة لشجرة . قوله : ( وأنها ) ، بالكسر عطف على ( إن ) الأولى . قوله ( ما هي ) مبتدأ وخبر والجملة سدت حسد المفعولين لفعل الحديث . قوله : ( إنها النحلة ) . بفتح : أن لأنها فاعل وقع ، والنخلة ، مرفوع لأنها خبر ان . قوله : ( حدثنا ما هي ) مبتدأ وهي خبره ، والجملة سدت مسد المفعولين أيضاً ، وقوله : ( هي النخلة ) مبتدأ وخبر وقعت مقول القول . بيان المعاني : قوله : ( إن من الشجر شجرة ) ، مخرج على خلاف مقتضى الظاهر ، لأن المخاطبين فيه كانوا مستشرفين كاستشراف الطالب المتردد ، فلذلك حسن تأكيده : بأن ، وصوغه بالجملة الإسمية . قوله : ( لا يسقط ورقها ) صفة سلبية تبين أن موصوفها مختص بها دون غيره . قوله : ( وإنها مثل المسلم ) كذلك مخرج على خلاف مقتضى الظاهر ، كما ذكرنا . قوله : ( فوقع الناس في شجر البوادي ) أي : ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي وذهلوا عن النخلة ، فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع ، يقال : وقع الطائر على الشجرة . إذا نزل عليها . قوله : ( قال عبد اللَّه ) أي : عبد اللَّه به عمر ، رضي الله عنهما ، قوله : ( فاستحييت ) زاد في رواية مجاهد ، في : باب الفهم في العلم : ( فأردت أن أقول : هي النخلة ، فإذا أنا أصغر القوم ) . وله في الأطعمة : ( فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم ) . وفي رواية نافع : ( ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ) . وفي رواية مالك عن عبد اللَّه بن دينار عند البخاري ، في باب الحياء في العلم ، قال عبد اللَّه : ( فحدثت أبي بما وقع ( نفسي ) ، فقال : لأن كنت قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا ) . زاد ابن حبان في ( صحيحه ) : ( احسبه قال : حمر النعم ) . بيان البيان : قوله : ( مثل المسلم ) ، بفتح الميم والثاء معاً في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر : مثل ، بكسر الميم وسكون الثاء . قال الجوهري : مثل ، كلمة تسوية . يقال : هذا مثله ومثيله . كما يقال : شبهه وشبيهه ، بمعنى . وقال الزمخشري : المثل ، في أصل كلامهم بمعنى المثل ، يقال : مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده : مثل ، ولم يضربوا مثلاً ولا رأوه أهلاً للتسيير ، ولا جديراً بالتداول والقبول إلاَّ قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه . قلت : لضرب المثل شأن في إبراز خبيئات المعاني ، ورفع الاستار عن الحقائق ، فإن الأمثال تري المخيل في صورة المحقق ، والمتوهم في معرض المتيقن ، والغائب كأنه مشاهد ، ولا يضرب مثل إلاَّ قول فيه غرابة ، فإن قلت : ما المورد وما المضرب ؟ قلت : المورد : الصورة التي ورد فيها ذلك القول ، والمضرب هي الصورة التي شبهت بها . ثم اعلم أن المثل له مفهوم لغوي ، وهو النظير . ومفهوم عرفي ، وهو القول السائر ، ومعنى مجازي وهو الحال الغريبة ، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام ، للحال العجيبية أو الصفة الغريبة ، كأنه قيل : حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة ، أو : صفة المسلم الغريبة كصفة النخلة ، فالمسلم هو المشبه ، والنخلة هو المشبه بها ، وأما وجه الشبه فقد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : هو كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجودها على الدوام ، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس ، وبعد أن ييبس يتخذ منها منافع كثيرة ، من خشبها وورقها وأغصانها ، فيستعمل جذوعاً وحطباً وعصياً ومحاضر وحصراً وحبالاً وأواني ، وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها ، ثم آخرها نواها ينتفع به ، علفاً للإبل وغيره ، ثم جمال نباتها وحسن ثمرتها وهي كلها منافع ، وخير وجمال ، وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على صلاته وصيامه وذكره والصدقة وسائر الطاعات ، هذا هو الصحيح في وجه الشبه . وقال بعضهم : وجه التشبيه أن النخلة إذا قطعت رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر ، وقال بعضهم : لأنها لا تحمل حتى تلقح ، وقال بعضهم : لأنها تموت إذا مزقت أو فسد ما هو كالقلب لها . وقال بعضهم : لأن لطلعها رائحة المني ، وقال بعضهم : لأنها تعشق كالإنسان ، وهذه الأقوال كلها ضعيفة من حيث إن التشبيه إنما وقع بالمسلم ، وهذه المعاني تشمل المسلم والكافر . قوله : ( حدثنا ) صورة أمر ولكن المراد منه الطلب والسؤال ، وقد علم أن الأمر إذا كان